Khamis, 17 September 2009

إشكالات دعوية معاصرة نتيجة غياب فقه الدعوة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، والصلاة و السلام على سيدنا رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :

يقول الله تعالى في كتابه العزيز :
(( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين )) ، [ فصلت / 33 ]

*

الدعوة إلى الله تعالى أشرف الأعمال وأزكاها ؛ لأنها مهمة الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام – فهم خيرة الله من خلقه ، وسفراؤه إلى الناس أجمعين ، كما أنها مهمة خلفاء الرسل وورثتهم من العلماء العاملين والدعاة المخلصين الصادقين . وهي أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى والتزام منهجه القويم ؛ لأن ثمرة الدعوة هداية الناس إلى الحق ، وتنوير قلوبهم وبصائرهم ، وإبعادهم عن سبيل الغي والضلال بدليل الآية الشريفة : (( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً ... )) ، [ فصلت / 33 ] .
*

ولقد حضّ القرآن الكريم على القيام بهذا الواجب في مواضيع كثيرة ، منها :

1.

قوله تعالى: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون )) ، [ آل عمران ، 104 ] .
2.

ومنها قوله تعالى: (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )) ، [ الحج /، 67 ]

وأما الهدي النبوي ففيه دعوة واضحة لحمل أمانة الدعوة والتبليغ ، استمراراً لمسيرة الأنبياء والمرسلين ، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام :

1.

" مّنْ دلّ على خيرٍ فله مثل ُ أَجرِ فاعله " ، أخرجه مسلم / 1893 .
2.

وقوله لعلي رضي الله عنه : " لأن يهدي اللهُ بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْر النَّعَمِ " ، أخرجه البخاري .

ولمّا كانت الدعوة إلى الله دعوةً إلى دينه ، تشمل الإيمان والإسلام والإحسان ، كان من أدقّ تعاريفها: (( نقل الأمة من محيط إلى محيط )) ." تعريف الأستاذ البهي الخولي" .

*

وقد اعترض مسيرة الدعوة عبر التاريخ عقبات كثيرة داخلياً وخارجياً ،

فعلى الصعيد الداخلي: ابتُليت الأمة بانقسامات جغرافية وفكرية وثقافية .
(( هذا الداء سرى إلى جسد الأمة قديماً ، وهو الآن أشدّ وأقوى )) .
كما نشأ كثير من أبناء المسلمين على أفكار ونظريات وفلسفات مخالفة لعقيدتنا وأخلاقنا وسلوكنا .

وعلى الصعيد الخارجي :
شهد العالم الإسلامي حملاتٍ شرسة متواصلة على بلاد العرب والمسلمين ، من تشكيك في عقيدتنا وغزوٍ لأفكارها ، ومقاومةٍ لفكر الإصلاح فيها ....
والهدف: صرف الناس عن دينهم القديم ، وتحويلهم إلى اتباع مناهج مستوردة ومبادئ مستحدثة ، ساهمت في تقسيم وحدة المسلمين وتجزئتهم ...

واقع الدعوة الإسلامية :
في الوقت الذي شهدت فيه الأمة تركيزاً من الحملات التشكيكية بثوابت الدين والمسلّمات الإيمانية ، مع ما تعيشه الأمة من حالات التمزق والشرذمة ، فإن واقع الدعوة يثبت أنه وقف في وجه كل العقبات والمشكلات التي سُخّرت ضدّ هذا الدين . إلا أن بعض الإشكاليات سيطرت على واقع الدعوة ، وربما حالت هذه الإشكاليات دون تحقيق المراد من الدعوة والتبليغ .... على الوجه الأكمل

من أبرز الإشكاليات : (( وسأتحدث فيها عن الوقت الراهن ))

*

عدم التوازن في الخطاب الدعوي :

التوازن في الخطاب من أبرز خصائص الدعوة في عالمنا المعاصر المتعدد الفئات والمنوع في الثقافة ، فالداعية لا يخاطب شريحة واحدة ذات مستوى محدد ، أو ذات حاجات محددة من البيان والمعرفة والحضور الذهني ....
لذلك فإن التوازن بين جميع جوانب الخطاب يجعل الشريحة المستهدفة أوسع وأعمّ ، كما يجعل الاستجابة والتفاعل من قبل السامعين والمخاطبين أكثر وأشمل ... ويمكن أن نحدد ثلاثة أنواع من التوازنات الهامة :

أ-التوازن في سمات الخطاب بين أمور ثلاثة :

1- العاطفة

2- العلم
{ = الأوتار الثلاثة التي ينبغي أن يعزف عليها الداعية ..

3- الفكر

إنّ غياب أيَّ سمةٍ من هذه السمات الثلاثة يجعل الخطاب غير متزن و لا متوازن ، كما أن طغيان إحدى هذه السمات على الأخرى يُعَدُّ إخلالاً في الخطاب وإشكالية .
وإن من أخطر ما يسيء إلى سمعة الداعية أن يتشكل عنه تصور مسبق في أذهان السامعين والمخاطبين ، بأنه: ( عاطفي ، عقلاني ، نصّي ، وعظي ، جافّ ، علمي ، شعبي ، تقليدي ) .

الحل :

يكمن الحل في اعتماد خطاب متوازن يجمع بين الأمور الثلاثة ، مع استخدام وسائل عصرية داعمة ، فقديماً كان الخطاب يعتمد الفلسفة ( ملكة العلوم ) أما الآن ، فقد أصبح (( الإحصاء )) هو ( ملك العلوم ) ، ثم يأتي بالدرجة الثانية كلُّ ما له صلة بالعلوم الوثائقية ، ولا يخفى أن العلوم الشرعية أكثر العلوم التي تحتاج إلى توثيق بالدليل والحجة والبيان والأرقام .

ب- التوازن في مادة الخطاب ومضمونه :

فالمعلوم أن حاجات الناس اليوم كثيرة ومتعددة ، ومهمة الداعية أن يدرك ذلك بشكل جيد ، ويُسخِّر خطابه لمعالجة تنوع حاجات الناس ضمن ما يسمّى بـ ( فقه الأولويات والموازنات ) التي يحتاج إليها الناس حسب تنوع بلدانهم وأحيائهم .
فالتذكير بالله تعالى والآخرة واليوم الآخر حاجة دائمة و مستمرة .
والتذكير بشمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة حاجة دائمة ومستمرة .
والتذكير بالعقيدة السليمة وما يدور في فلكها حاجة دائمة ومستمرة .
والتذكير بالأحكام الفقهية العملية وما يحتاج إليه الناس حاجة دائمة ومستمرة .

*

إلاّ أن من الإشكاليات التي تظهر في مادة الخطاب ومضمونه: الابتعاد عن ما يشغل اهتمام الناس وحاجاتهم ، والتحليق في أجواء الداعية العلمية والفكرية الخاصة .

مثال: - الإسهاب والتفصيل في نقد حملة الانتخابات الأمريكية في مجتمع مقهور ومضطهد ويمثل أمام عينيه الحصار في غزة والجوع والموت الدائم .

- الحديث عن أدب الولائم في الإسلام أيام مجزرة جنين .
- حكم الاستماع للموسيقى والمعازف يوم عرفة وأيام الحج .
- بيان خطر اتساع ثقب الأوزون في الجو في مجتمع لا يورّث المرأة .
- السحر والشعوذة والكهانة والجن في مجتمع متمدن ومتطور .
- القبور والمقامات والشركيات والبدع والمقامات والأولياء في مجتمع علميّ مثقف .

جـ - التوازن في الأسلوب الخطابي والدعوي ، ويشمل :

1.

اللغة :
ويطلب فيها مراعاة تفاوت المجتمع ، من الأمي إلى المثقف والمتعلم إلى الأستاذ الجامعي إلى القارئ المتخصص . فالهوّة كبيرة والتباين أكبر بين الجمهور . وقد لوحظ أن بعض الدعاة يغرق في بيان الخلافات اللغوية والإعرابية بين البصريين والكوفيين ، كما يغرق البعض الآخر في العامية السطحية .
2.

الأفكار وحسن العرض :

من الواجب على الدعاة مراعاة ثقافة العصر التي تطورت في مجال التنظيم والإدارة وحسن الإعداد ، فنحن نعيش في زمن الأتمتة والمعلوماتية والبرمجة والاتصال السريع ، والزمن شهد تسارعاً وتسابقاً ، وأصبحت المعلومة متسعة كالبحار ، فلا بد من اعتماد الإيجاز والاقتصاد في المعلومة . فإن الإيجاز ((مئنة )) على فقه الخطيب والداعية ، ومما ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتخوَّل أصحابه بالموعظة خشية السآمة .

*

كما أنه لا مكان للعشوائية في عصر انتشار المعلومة المنضبطة ، وبالتالي لا قيمة للمصطلحات المتداولة سابقاً ، مثل: (( أظن ، وربّما ، وفي المسألة قولان ....)) في زمن وصول الشابكة
*

( الانترنت ) لكل بقاع الأرض .

مثال على العشوائية:

الحديث عن الربا مثلاً ، والتحذير منه ، دون تقديم أفكار تراتبية حوله ، تشمل: تعريفه ، أدلة تحريمه من الكتاب والسنة ، صوره القديمة ، صوره المعاصرة ، بيان أضراره ، آلية الابتعاد عنه ( الوقاية والعلاج ) ، البدائل المطروحة ( البنوك الإسلامية ) .

*

الشراكة في الخطاب :

ليس من الحكمة الدعوية أن يستثني الداعية نفسه من الخطاب الموجّه إلى المستمعين ؛ لأن ثقافة ( نحن الفرقة الناجية ) لا مكان لها في العمل الدعوي المثمر .
فلا بدّ إذاً من استخدام صيغ المشاركة في الخطاب بدلاً من صيغ ( الذات ) ،
أمثلة: نحن (أنا ) ، الناس ( أنتم ) ، العالم ( أنتَ ) ، المسلمون ( جماعتي ) ، الأمة ( الفئة ) .
وهذا ما يؤكده خطاب النبي صلى الله عليه وسلم : " ما بالُ أقوامٍ "

*

كما أن على الداعية أن يستخدم صيغ : ( التودد والتحبب والاحتواء ) .
لأنها أقوى وأنجح من صيغ : ( الهجوم والتوبيخ والإقصاء ) .
*

- وكذلك الاعتماد في أسلوب الخطاب على الأرضيات المشتركة والتوافقية ، والابتعاد عن أوجه الخلاف والتمايز وعبارات التشفي والانتقام والاعتماد على الردود الجوفاء والمهاترات ، واستخدام صيغ الرفض والنفي والشؤم والتكفير ...

مثال نظري : ((هذه الأمة لا تستحق النصر )) (( لا نقبل بهذا الواقع الأليم ))
بعضهم شبه لاقطات التلفزيون برايات المومسات في الجاهلية .
مثال عملي :- تأخير موعد صلاة العصر عند أحد الدعاة ليفوّت على الناس متابعة الشوط الثاني من مباراة في كرة القدم المقامة في ملعب للكرة جانب المسجد .
- تأخير صلاة التراويح ليفوّت على الناس متابعة مسلسل باب الحارة .

الحل والمخرج : في اعتماد خطاب الرفق والتلطف والكياسة :
شواهد : - (( اذهبا إلى فرعون إنه طغى ، فقولا له قولاً ليناً )) ، فالأمر بالمعروف يحتاج إلى العلم قبله ، والرفق معه ، والصبر بعده .

وأخيراً : إن فقه الدعوة إلى الله تعالى يحتاج إلى مزيد من بذل الجهد كي تؤتي الدعوة أكلها وثمارها الطيبة ، وفيما يلي بعض التوصيات الهامة :

1.

ضرورة التخطيط للعمل الدعوي بناء على أسس علمية ، مع مراعاة الزمان والمكان والتطورات الحياتية .
2.

السعي لإقامة المزيد من المؤسسات الدعوية والبرامج الإعلامية الداعمة ، التي تعنَى بشؤون الدعوة .
3.

تخصيص جانب من حصص التربية الدينية للدعوة الإسلامية وخصائصها ومناهجها وطرائقها .
4.

العناية بتأهيل الكوادر المتخصصة واتباع دورات مكثفة بشكل منتظم ، مع الاعتماد على تطوير المهارات الشخصية للدعاة .
5.

الإفادة من الدورات العلمية والفنية لتطوير أداء الدعاة كالبرمجة العصبية و إدارة الوقت والذكاء العاطفي وفن التسويق للمعلومة ...

وأخيراً : الاعتماد أولاً وآخراً على الإخلاص في القول والعمل ؛ لأنه أساس النجاح والتوفيق .

(( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين )) .

 

والحمد لله ربّ العالمين .

  

محمد خير الطرشان
مدرس القضايا الفكرية المعاصرة
في معهد الفتح الإسلامي / قسم التخصص
المشرف العام لموقع رسالتي . نت

Tiada ulasan:

Catat Ulasan